ابن كثير

61

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

على أعدائكم الكفرة المعاندين . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 43 إلى 44 ] إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 43 ) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) قال مجاهد : أراهم اللّه إياه في منامه قليلا ، وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه بذلك ، فكان تثبيتا لهم ، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد ، وحكى ابن جرير عن بعضهم ، أنه رآهم بعينه التي ينام بها ، وقد روى ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا أبو قتيبة ، عن سهل السراج عن الحسن في قوله : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا قال بعينك ، وهذا القول غريب ، وقد صرح بالمنام هاهنا ، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه . وقوله : وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ أي لجبنتم عنهم ، واختلفتم فيما بينكم ، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي من ذلك ، بأن أراكهم قليلا إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما تكنه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء ، يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] وقوله : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وهذا أيضا من لطفه تعالى بهم ، إذ أراهم إياهم قليلا في رأي العين ، فيجزؤهم عليهم ويطمعهم فيهم ، قال أبو إسحاق السبيعي : عن أبي عبيدة ، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ، قال : لقد قللوا في أعيننا يوم بدر ، حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين ؟ قال : لا بل هم مائة ، حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه ، فقال : كنا ألفا ، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير . وقوله : وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن الزبير بن الحارث عن عكرمة وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ الآية ، قال : حضض بعضهم على بعض ، إسناد صحيح ، وقال محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير ، عن أبيه في قوله تعالى : لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه ، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته ، ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلا من الفريقين بالآخر ، وقلله في عينه ليطمع فيه ، وذلك عند المواجهة ، فلما التحم القتال وأيد اللّه المؤمنين بألف من الملائكة مردفين ، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفيه ، كما قال تعالى : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [ آل عمران : 13 ] وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين ، فإن كلا منهما حق وصدق ، وللّه الحمد والمنة .